عروسٌ على شاطىءِ الجمرِ
الشاعر الدكتور جهاد صباهي
حيثما أبدأُ أنتهي إليها
أُصلي لأجلِها
أغارُ عليها
أتبعُ رائحةَ الأرزِ على أرضِها
يطوفونَ بها
على أفواهِ البنادقِ والحرائقِ والشبهاتِ
في باطنِها وحلٌ من الأمنياتِ
وفي ظلالِها قطيعٌ من الجياعِ
يتدحرجُ مثلَ كرةِ الثلجِ
على أرضٍ
صارت في زحمةِ العهرِ
مشاعْ
أبحثُ عن قدميَّ الهاربتينِ
من عويلِ الإنفجارِ
أسيرُ بِهما خلفَ ألسنةِ النارْ
أبحثُ عن الحقيقةِ المتخفيةِ خلفَ جدارْ
أُمزقُ عباءةَ الصمتِ
وأخرجُ ساحباً اليقينَ ورائيْ
أعرّي به الوجوهَ المقنعةَ
بجلدِ التماسيحِ
أُطوقُ نشوةَ الديدانِ
على جسدِ القمحِ المقتولِ
تحتَ جِنْحِ النهارْ
ألتقطُ حَنْجَرتيْ
طارتْ كَعُصفورٍ
غررتْ به أغصانُ الزيزفونْ
أقرعُ بها جرسَ السماءِ
أحَمّلُهُ سؤالَنا الكبيرْ
أما زلنا نحملُ وزرَ أبينا
أما زلنا نُحاسَبُ على جُرمِ أخينا
لو أنّا نعودُ إلى الوراءِ آلافَ السنينْ
نخرجُ من رحمِ حواءَ من جديدْ
نُغني تحتَ عرائشِ الياسمينْ
نرسمُ الحبَّ على أغصانِ
التفاحِ والزيتونْ
والبلحِ وبياراتِ الليمونْ
نكسرُ التيجانَ المرصعةَ بأنيابِ
الضباعْ
لكننا عبيدٌ
نصرُخُ كالعبيدْ
نضحكُ كالعبيدْ
ونبكي كالعبيدْ
ننامُ ونصحو كالعبيدْ
نجوعُ ونأكلُ كالعبيدْ
ونمارسُ الجنسَ كالعبيدْ
أحلامُنا كسرُ ذاكَ القيدِ
يُهدِدُنا أينما التفتنا
بأشباحٍ تريدُ أن تُلقي بنا
في قعرِ النفاياتِ
كأننا معاقبونْ
بالقهرِ محكومونْ
كأننا نحنُ الظالمونْ
الكفرةَ الفاسقونْ
حلالُنا علينا حرامٌ
الحبُّ في قلوبِنا إجرامٌ
ولقمةُ العيشِ سُمّ زؤامٌ
لاتبكِ ياعروسَ البحرِ
وأنتِ عاريةٌ على شاطىءِ الجمرِ
تحميكِ مجموعةٌ من الأمواتْ
تخفي رؤوسَها كالنعامةِ تحتَ الترابْ
يرسمونَ على جسدِكِ خرائطَ الخرابْ
ونحن مشغولونَ
نُشعِلُ لهم القنديلْ
ونُعطيهمُ الماءَ والمنديلْ
أذلاءْ
نحن على موائدِ العالمِ أذلاءَ
تُحاكُ أكفانُنَا من خيوطِ العنكبوتْ
أمواتٌ قبلَ أن نموتْ
تسكُننا ألوانُ الخوفِ
والضياعْ
كالكلابْ
كالكلابِ نجرُّ خلفَنا عربةً
مليئةً بالخياناتِ والخيباتْ
نُسابقُ الريحَ إلى المجهولِ
تغمرُنَا أمطارٌ وسيولْ
يسترُنا ثوبٌ من الهواءْ
وأحلامُنا تعوي في العراءْ
أفواهنا مكبلةٌ بأصفادٍ
سكوتٌ سكوتٌ سكوتْ
أمواتٌ قبل أن نموتْ
أمواتٌ قبل أن نموتْ
د . جهاد صباهي

تعليقات
إرسال تعليق