توقفَ وصاحبه عن اللعبِ بالطاولة ,لسماعِ نشرة الأخبار . . .
أخذَ المُذيع يلهث وراء الأخبار المُدوية بأصواتِ المدافع وزعيقِ الطائرات التي تعبر القارات ,وهي تحمل بجوفِها وجباتٍ سريعة من الحريةِ والديموقراطية لشعوبٍ تراها مُتخلفة ,كي تُلقيها على تلك الرؤوس الناشفة التي لم تتعلمْ ولم تتقدمْ في دروبِ الحضارةِ والعلم . . .
قالَ لصاحبهِ:
- ما قصة هذه الحرية وتلك الديموقراطية التي تندلقُ على رؤوسِنا يومياً .فتثقبُ آذاننا بدويها الدائم وكأنها لا تعلمْ أننا نريد أن ننام( قيلولتنا )الأزلية . . .
ثم أمسكَ بحزمةٍ من إشاراتِ الاستفهام ,وضعها أمامَ صاحبه مُستفسراً ,كمن يريد أن يعرف أصلَ الشيء وفصله . . .
قالَ له صاحبه:
- إنك بأسئلتك تلك تُعيدني إلى الوراءِ آلاف السنين ,لزمنِ الحضارةِ الرومانية قبل الميلاد .حين كان الإمبراطور يسعى لتصديرِ الديموقراطية لشعوبِ الأرض , ويرى من حقهِ أن يُدافع عن حقوقِ الإنسان في كلِّ مكان,ولرقةِ قلبه كان يطبق تلك الديموقراطية في بلدهِ , كما ينص عليها دستور بلاده الذي يُنفذ حُكمَ الإعدام بالمجرمِ بوضعهِ على الخازوق ,ولشدةِ تمسُكه بالديموقراطية صنعَ أنواعاً كثيرة من الخوازيق ,زرعها في ساحةِ الحكم. فمنها الطويل . . والقصير . .والرفيع . .والغليظ ,وتركَ حُرية اختيار الخازوق للمحكومِ عليه الذي كان يقف أمام الإمبراطور بذُلٍّ وخنوع ,وعيون الناس تنتظر تنفيذ الحكم بخوفٍ ورعب .حينها كان الإمبراطور يقفُ قائلاً:
- انظر يا بني أي خازوقٍ تختار لنضعك عليه ؟ . . .
وعندما كان المحكوم يحتار فيما يختار ,كان يقول للإمبراطور:
- يا سيدي اخترْ لي أنت ما تشاء . . .
فكان يردُ عليه:
- لا يا بني نحن قومٌ نتمسك بالديموقراطية ,وشعارُنا الحرية,وعليك أن تختار بنفسك وبكامل حريتك ما تراه مُناسباً لك . . .
عندها كان المحكوم يُغمضُ عينيه ويُشيرُ بإصبعهِ لأيٍّ منها وهو يقول لنفسهِ:
( تعددت الخوازيق والموتُ واحد ) . . .
لم يدرِ ذلك الإمبراطور أن نائبه يُنَجِّرُ له خازوقاً بالخفاء.فانقلب عليه في غفلةٍ من الزمن ,وبدلاً من أن يجلس على العرشِ في الصباح ,كان الخازوق مجلسه . حينها أدرك مدى الألم الذي يُعانيه المحكوم حين تأتيه الديموقراطية من الخلف وبمثلِ هذه القوة . . .

تعليقات
إرسال تعليق